السيد محمد الصدر
60
منة المنان في الدفاع عن القرآن
اختلاف المادّة اللفظيّة ؛ لأنَّ ذلك ثلاثي ، أي : الكدح ، إلّا أنَّهما بمنزلة المترادفين أو أنَّهما مترادفين فعلًا كلفظٍ ، فيقال : يكدّ في رزقه ويكدح فيه ، أي : يتعب ، إذا كان نشطاً فيه ومتحرّكاً وكثير السرعة والنشاط ، ويُقال : يكدح أيضاً ، ومضمونها واحدٌ ، وإن كان إلى حدٍّ مّا انطباعاً نفسيّاً ، لكنّه من حيث المضمون العقلي واللغوي ليس بينهما فرقٌ معتدٌّ به ، والآية هنا تقول : يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ . وقد بينّت عدّة مرات أنَّ الإنسان هنا يُراد به أحد أمرين : إمّا مطلق الإنسان أو الإنسان المطلق . وعلى كلّ حالٍ إنَّ المطلق معنىً مضمونٌ في الإنسان ، ولا ينافي معنى اسم الجنس ؛ لأنَّ الإنسان المطلق أيضاً كلّي قابلٌ للانطباق على أفرادٍ كثيرين ، كما أنَّ مطلق الإنسان أيضاً كلّي قابلٌ للانطباق على أفرادٍ كثيرين ، فيكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ ، وذلك بأن يُقال : إنَّ الإنسان المطلق يندرج ضمن مطلق الإنسان بحصّةٍ من حصصه ؛ لأنَّ مطلق الإنسان إمّا ليس بإنسانٍ مطلقاً ، وإمّا إنسانٌ عالٍ ، الذي هو الإنسان المطلق . وقد فهم السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) من ( الكدح ) السير ، فقال : ففيه معنى السير « 1 » ، مع العلم أنَّ المراد به التعب ، لكنّه كأنَّما - بمعنىً من المعاني المجازيّة - يُراد منه السير بقرينة ( إلى ) ؛ لأنَّه يقول : كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا ، أي : سائر إلى ربّك سيراً ؛ فإنَّ السير يصل إلى النتيجة . ولو أراد مجرّد الجهد لم يصحّ استعمال هذا الحرف ( إنَّك كادحٌ ) ، أي : تاعب ، فينبغي أن يقول مثلًا : ( في ربّك ) إذا كان المراد مجرّد التعب ، فيبدو أنَّه يُراد به نحوٌ من أنحاء السير . فإن قلت : فإنَّ السير لا يكون إلّا في المكان .
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 242 : 20 ، تفسير سورة الانشقاق .